فخر الدين الرازي

202

تفسير الرازي

المسألة الثانية : في تقرير نظم هذه الآيات فنقول ، لسائل أن يسأل فيقول إنه تعالى حكى في أول السورة عن المستهزئين من الكفار ، أنهم بالغوا في إنكار البعث والقيامة ، وقالوا : * ( ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب ) * ( ص : 16 ) ولما حكى الله تعالى عنهم ذلك لم يذكر الجواب ، بل قال : * ( اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ) * ( ص : 17 ) ومعلوم أنه لا تعلق لذكر داود عليه السلام بأن القول بالقيامة حق ، ثم إنه تعالى أطنب في شرح قصة داود ، ثم أتبعه بقوله : * ( وما خلقنا السماء والأرض ) * ومعلوم أنه لا تعلق لمسألة إثبات حكمة الله بقصة داود ، ثم لما ذكر إثبات حكمة الله وفرع عليه إثبات أن القول بالحشر والنشر حق ، ذكر بعده أن القرآن كتاب شريف فاضل كثير النفع والخير ، ولا تعلق لهذا الفصل بالكلمات المتقدمة ، وإذا كان كذلك كانت هذه الفصول فصولاً متباينة لا تعلق للبعض منها بالبعض ، فكيف يليق بهذا الموضع وصف القرآن بكونه كتاباً شريفاً فاضلاً ؟ هذا تمام السؤال والجواب أن نقول : أن العقلاء قالوا من أبلى بخصم جاهل مصر متعصب ، ورآه قد خاض في ذلك التعصب والإصرار ، وجب عليه أن يقطع الكلام معه في تلك المسألة ، لأنه كلما كان خوضه في تقريره أكثر كانت نفرته عن القبول أشد ، فالطريق حينئذ أن يقطع الكلام معه في تلك المسألة ، وأن يخوض في كلام آخر أجنبي عن المسألة الأولى بالكلية ويطنب في ذلك الكلام الأجنبي ، بحيث ينسى ذلك المتعصب تلك المسألة الأولى ، فإذا اشتغل خاطره بهذا الكلام الأجنبي ونسي المسألة الأولى ، فحينئذ يدرج في أثناء الكلام في هذا الفصل الأجنبي مقدمة مناسبة لذلك المطلوب الأول ، فإن ذلك المتعصب يسلم هذه المقدمة ، فإذا سلمها ، فحينئذ يتمسك بها في إثبات المطلوب الأول ، وحينئذ يصير ذلك الخصم المتعصب منقطعاً مفحماً ، إذا عرفت هذا فنقول إن الكفار بلغوا في إنكار الحشر والنشر والقيامة إلى حيث قالوا على سبيل الاستهزاء * ( ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب ) * ( ص : 16 ) فقال يا محمد اقطع الكلام معهم في هذه المسألة ، واشرع في كلام آخر أجنبي بالكلية عن هذه المسألة ، وهي قصة داود عليه السلام ، فإن من المعلوم أنه لا تعلق لهذه القصة بمسألة الحشر والنشر ، ثم إنه تعالى أطنب في شرح تلك القصة ، ثم قال في آخر القصة : * ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ) * ( ص : 26 ) وكل من سمع هذا قال نعم ما فعل حيث أمره بالحكم الحق ، ثم كأنه تعالى قال : وأنا لا آمرك بالحق فقط ، بل أنا مع أني رب العالمين لا أفعل إلا بالحق ، ولا أفضي بالباطل ، فههنا الخصم يقول نعم ما فعل حيث لم يقض إلا بالحق ، فعند هذا يقال لما سلمت أن حكم الله يجب أن يكون بالحق لا بالباطل ، لزمك أن تسلم صحة القول بالحشر والنشر ، لأنه لو لم يحصل ذلك لزم أن يكون الكافر راجحاً على المسلم في إيصال الخيرات إليه ، وذلك ضد الحكمة وعين الباطل ، فبهذا الطريق اللطيف أورد الله تعالى الإلزام القاطع على منكري الحشر والنشر إيراداً لا يمكنهم الخلاص عنه ، فصار ذلك الخصم الذي بلغ في إنكار المعاد إلى حد الاستهزاء مفحماً ملزماً بهذا